الشيخ الأنصاري

224

مطارح الأنظار ( ط . ج )

العقلاء في استنباط مداليل الكلمات ، ومؤدّيات الأخبار والطلبات ، فالخطاب المتوجّه إلينا فعلا ليس إلّا مثل هذه الأحكام ، ثمّ استظهره أيضا بجريان أصالة البراءة ، فإنّ وجود الحكم في الواقع لا ينافيها بل فيما لو كان الدليل مفقودا عندنا على الحكم ، فمن حيث عدم تنجّز التكليف بمفاد الدليل تجري أصالة البراءة في محلّ جريانها ، وتقضي عمّا لو حصل العلم بالواقع بأنّ بعد حصول العلم بالواقع ، فلا تكليف إلّا به حيث إنّه لا يتصوّر طريقية طريق « 1 » بعد العلم ، فلا تكليف بمفاده لا فعلا ولا شأنا فإنّ السالبة قد تنفى بانتفاء موضوعها ، وأطال في بيان مرامه كما هو دأبه في غير المقام أيضا ، وفرّع عليه النتيجة المطلوبة من إعمال الظنّ في تشخيص الطريق لتحصيل الأحكام التي تتنجّز « 2 » في حقّنا ، ويتوجّه علينا فعلا بعد انسداد باب العلم إليها « 3 » . [ الجواب عنه ] والجواب عن ذلك بعد تمهيد مقدّمة وهي أنّه لا ريب في أنّ للّه أحكاما واقعية في كلّ واقعة والدليل على ذلك بعد الإجماع من المخطّئة هو تسلّم « 4 » الخصم هنا وأنّها لا تنجّز في حقّنا إلّا بعد العلم بها تفصيلا أو إجمالا مع التمكّن من الامتثال ، ولولا أنّ العلم الإجمالي كاف في تنجّز التكليف مع تمكّن المكلّف مثلا ، لما صحّ تكليف الكفّار بالفروع مع أنّ الإجماع منعقد منّا « 5 » على التكليف فيها بالنسبة إليهم ، ويدلّك على هذا ظواهر بعض الآثار المرويّة عن الهداة الأبرار عليهم السّلام . « 6 » فمنها : ما قد رواه بعضهم فيما سألهم عن سماع غناء الجواري ، فأجابه عليه السّلام بأنّه « ما أسوأ حالك فيما لو تموت على مثل هذه الحالة » فإنّ من الظاهر أنّ العلم التفصيلي لم يكن له حاصلا ، ولولا العلم الإجمالي أيضا ، فلا وجه لبقائه كما يظهر من قوله عليه السّلام : « ما أسوأ » .

--> ( 1 ) . « ل » : طريقة . ( 2 ) . « ش » : تنجّز . ( 3 ) . انظر هداية المسترشدين : 384 - 385 . ( 4 ) . « ل » : تسليم . ( 5 ) . « ل » : - منّا . ( 6 ) . الوسائل 3 : 331 ، باب 18 من أبواب الأغسال المسنونة ، ح 1 . وتقدّم في ص 84 وسيأتي في ص 499 و 584 .